في مديح البطء

"كارل اونوريه"

احيانا قد تخلق السرعه اضرارا مخيفه في جميع جوانب حياتنا والاخطر اننا لا نشعر بها

لـمـن يـنـصـح بـهـذا الـكـتـاب

.للمهتمين بالفكر والاراء النقديه الفكريه

للساعون لاكتشاف ما سلبته السرعه منا دون ان نشعر

المتضررون نفسيا وعصبيا من الحياه السريعه

مـحـتـوي الـمـلـخـص

الـمـقـدمـه

يقع البشر ضحيّة أسلوب السّرعة المتّبع كثيراً ويوميّاً في الحياة الحديثة، فقد درجت العادة أنّ الموظّف السّريع في إنجاز المهام هو المفضّل من قبل أصحاب العمل، ناهيك عن عادات الطّعام السّريع وآثاره السّلبيّة على أجسادنا، وصخب الحياة الموجود في المدينة الذي يؤدّي إلى الضّغط النّفسيّ والعصبيّ والأرق والإجهاد، أمّا من النّاحية الطّبيّة فقد سادت الكثير من الأمراض والعلل النّفسيّة والجسديّة في المجتمعات الحديثة، وأضحى التّشخيص والعلاج السّريعان نمطين سائدين في أيّ مجتمعٍ متطوّر. فما هي الخطوات التي علينا أن نتّبعها كي نتخلّص من أسلوب السّرعة المرهق في الحياة، وكيف نسترجع عافيتنا الجسديّة والعقليّة والنفسيّة من خلال البطء؟ ما الذي سوف تتعلّمه من هذا الكتاب؟ التّعرّف على الطّرق الصّحيحة لتقديم الجودة وتفضيلها على الكميّة، وتفادي التّسرّع غير المبرّر في الأداء العملي. التعرّف على مفاهيم جديدةٍ تجعلك تفكّر أكثر في حياتك في كلّ المجالات. كيفية محاربة وتيرة الحياة السّريعة والمجنونة التي ترهق عقلك وجسدك على السّواء. كيفية الاستمتاع بشكلٍ أكبر في أيّامك وحياتك من خلال جعل وتيرتها أكثر بطئا.

الاثار السلبيه للسرعه في المجالات المختلفه

نعيش اليوم في عصر التّقدّم والتّكنولوجيا والمعلومات الرّقميّة، ونستخدم الكثير من التّقنيّات الحديثة التي تمّ تسخيرها لخدمة الإنسان وتقليل العبء والتّعب عليه، تلك التّقنيّات التي لم تكن موجودةً خلال العصور السّابقة، فقد باتت جداول أعمالنا مزدحمةً ومكتظّةً ومضغوطةً بطريقةٍ تجعلنا نتساءل: هل وجد هذا التّقدّم من أجل أن نصبح منشغلين أكثر من السّابق؟ أم أنّنا نحن من لم نستطع استخدام هذا التّطوّر والتّقدّم بشكلٍ صحيحٍ، بل استغللناه بطريقةٍ خاطئةٍ وعلى نحوٍ ترك أثره السّلبيّ قبل الإيجابيّ علينا؟ لنأخذ على سبيل المثال المجال الصّناعيّ والاقتصادي، فالمصنع أو المعمل الأفضل والأكثر كفاءةً، هو ذلك القادر على إنجاز عمله في وقتٍ قصيرٍ جداً، لينافس غيره من المصانع والمعامل، وهذه السّرعة تتجلّى في كلّ شيء، بدءاً من طرح أفكار العمل وتنظيم مهام العمّال وتنسيقها، ومروراً بتصنيع المزيد من المنتجات في وقتٍ أقصر، ومن ثمّ توزيع هذه المنتجات لأكبر عددٍ ممكنٍ ضمن مجالٍ ووقتٍ قياسي، وبالتّالي جني المزيد من الأرباح، فهذا هو أساس اللعبة ومجاراة السّرعة. ولكن يا ترى، ما ثمن تلك السّرعة التي تبدو مفيدةً جداً لأصحاب العمل ورؤوس الأموال؟ الإجابة هي العمّال، وما عانوه من تعبٍ وضغطٍ كبيرٍ ومضاعفةٍ لساعات العمل على حساب صحّتهم وعائلاتهم، فالسّرعة أصبحت السّياسة السّائدة لدى العديد من المصانع والمعامل والشّركات، بالإضافة إلى السّوق الاقتصاديّ والصناعيّ بأكمله.

السرعه في الغذاء

تداخلت السّرعة في جميع أمور حياتنا، حتّى بدأنا نلاحظها في طعامنا؛ بدءاً من زراعة الفواكه والخضروات؛ فهي لا تترك لتنمو ببطءٍ وتعطي النتائج المرجوّة، بل أصبحت الزّراعة تعتمد على استخدام المواد الصّناعيّة؛ كالأسمدة الكيميائيّة، وهرمونات النّمو، والتّعديلات الجينيّة وغيرها؛ بهدف تسريع عملية الإنبات، ولم يقتصر هذا على الزّراعة فقط، بل وصل الأمر لطهي الطّعام بأبسط الطّرق الممكنة وأسرعها، من خلال استخدام آلاتٍ وتقنيّاتٍ مختلفةٍ ومتعدّدة. كما أصبحت محلّات الأطعمة السّريعة رائجةً جدّاً، وبدأ سوقها يتزايد يوماً بعد يوم، وباتت هذه المطاعم جزءًا لا يتجزّأ من عاداتنا في الطّعام، بغضّ النّظر عن آثارها السّلبيّة، فكلّ ما نركّز عليه في عصرنا هذا هو السّرعة في التّحضير، والحصول على الطّعام وتناوله، فقد أصبحنا نتجنّب الجلسات العائليّة حول المائدة؛ لأنّها تستغرق من وقتنا الكثير، وصرنا نتناول الطّعام بمفردنا؛ ما أثّر سلباً على تواصلنا مع بعضنا، وهذا الأمر جعل من السّرعة عاملاً أساسيّاً يحول دون رؤيتنا لجمال البطء، والاستمتاع في الطّهي، وتناوله مع الأسرة والأصدقاء.

الحياه السريعه في المدينه

يمكننا أن نصف ما وصلت إليه المدن في يومنا هذا بالمأساة، ومن أين لنا أن نبدأ؟ هل نبدأ من الازدحام بالحركات المروريّة وتخابط المارّة، أم بالمباني التي أخذت بالتّوسّع حتّى أصبحت تحتلّ مكان الطّبيعة والأشجار والحدائق الخضراء؟ كلّ ذلك أدّى إلى تغيّر البيئة التي نعيش فيها، وخاصةً مع زيادة عدد السّكان وكثافة دخان المصانع والسّيّارات، لنفتقد بذلك إلى الطّبيعة الهادئة التي تساعدنا على التّأنّي والتّأمّل وصولاً إلى حالة الاسترخاء والرّاحة. عام ألفٍ وتسعمئةٍ وتسعةٍ وتسعين، وقّعت أربع مدنٍ إيطاليّةٍ اتفاقيّةً لتحويلها إلى ملاذاتٍ يلجأ لها الهاربون من صخب المدينة ووتيرة الحياة السّريعة، والرّاغبون بالهدوء والاستمتاع بالطّبيعة وروائح النّباتات الزّكيّة وأصوات الطّيور، وتعتمد الاتّفاقيّة على ثلاثة مبادئ أساسيّة؛ المتعة قبل الرّبح، والبشر قبل العمل، والبطء قبل السّرعة؛ حيث تمّ إطلاق اسم المدن البطيئة على هذه الحركة، وهي تضمّ الآن أكثر من ثلاثين مدينةً في إيطاليا وغيرها من الدّول الأوروبية. وتشمل التّعهّدات في اتفاقيّة المدن البطيئة على سبيل الذّكر لا الحصر: الحدّ من الضّوضاء وحركة المرور، وزيادة المساحات الخضراء وممرّات المشاة، والحفاظ على التّقاليد الجماليّة وطرق الطّبخ المحلّيّة.

تأثير الحياه السريعه علي صحه البشر

مع ازدياد ضغوط الحياة، زادت الأمراض بنسبٍ كبيرةٍ، وزاد عدد المرضى الزّائرين للكثير من العيادات والمستشفيات، وهذا بحدّ ذاته أثّر على عمل الأطبّاء الذين زاد العبء عليهم؛ ممّا جعلهم يتعاملون مع المرضى كالآلات دون أيّ عواطف إنسانيّةٍ، حتّى دون الجلوس والاسّتماع لشكواهم. كما أصبح تشخيص الحالات المرضيّة سريعاً جدّاً باستخدام التّقنيّات الحديثة المنتشرة، وبات العلاج كذلك في منتهى السّرعة، وذلك بالاعتماد على الأدوية دون غيرها بغضّ النّظر عن آثارها الجانبيّة والسّلبيّة؛ لما توفّره من وقتٍ، وبات وقت انتظار نتائج العلاج قصيراً جدّاً، فإذا لم يفلح الدّواء الأول ننتقل مباشرةً إلى آخر دون أدنى مراعاةٍ لحال المرضى وتكاليف العلاج أيضاً. ولا ننكر أنّ مهنة الطّبّ تعتمد في بعض جوانبها على السّرعة، مثل الحالات الطّارئة؛ كالحوادث والولادة، وما لا نستطيع إنكاره أيضاً أنّ أنظار النّاس أصبحت تلاحظ ذلك، وتلاحظ أثر السّرعة في التّشخيص والعلاج على صحّتهم بشكلٍ سلبي؛ لذا أصبح طلبهم المنشود يتضمّن طبّاً متأنياً بطيئاً، يعتمد على الجلوس مع المرضى، والإنصات لشكواهم بدلاً من مجرّد الاعتماد على علاج الأدوية، ليضمنوا بذلك علاجاً للنّفسيّة ورفعاً للمعنويّات، إضافةً إلى الرّجوع للطّبيعة من أجل التّأمل والاسترخاء.

التامل بدل السرعه

إنّ الحصول على حياةٍ بطيئةٍ بالمعنى الإيجابيّ، يحتاج منّا أن نغيّر نمط تفكيرنا عن البطء والسّرعة؛ لنعمل على خلق التوازن المرجوّ بين وقتين: متى نحتاج أن نسرع، ومتى نستطيع أن نبطئ؛ إذ يجب علينا أن نحافظ على سلامة عقلنا بعيداً عن الاستعجال؛ لذلك علينا بالتّروّي والبطء في التّفكير فيما يخصّ بعض الأمور التي تحتاج متّسعاً أكبر من الوقت؛ بغية تخفيف الضّغط عن أدمغتنا، كما يعدّ التأمّل والهدوء طريقاً نحو الإبداع والثراء في التفكير. لذا فكّر جيّداً: "متى كانت آخر مرّةٍ جلست بها على كرسيٍّ وأغمضت عينيك؟" وللحفاظ على الجسم سليماً، علينا ممارسة الرّياضات المتعدّدة وعدم تركها في خضمّ زحمة أيّامنا، ومن الأمثلة على الرّياضة التي تساعد على الاسترخاء؛ اليوغا التي تساعد على تعلّم الهدوء والبطء الجميل في الحياة والتّأمّل المتأنّي، إضافةً لتخليص الجسم من التّعب والأرق، كما أنّها تساعد على الهدوء والتّركيز.

اثار السرعه علي العاملين

مع تقدّم التّكنولوجيا أصبحنا نحمل همّ العمل على مدار الوقت وفي أيّ مكان؛ فقد صار التواصل مع أرباب العمل على الهاتف، أو من خلال الرّدّ على الإيميلات حتّى في أوقات استراحتنا، لنحمّل ذاتنا حملاً فوق طاقتها، وخاصةً بعد أن أمسى الموظّف السّريع في العمل هو الأكثر كفاءةً من غيره. ومع ظهور فكرة التّقليل من حجم العاملين في الشّركات في الآونة الأخيرة، والتي بدأت تزداد يوماً بعد يوم؛ أصبحت المنافسة شرسةً وقويّةً بين العاملين، وأصبح العديد منهم يسرع أكثر ويبذل جهداً أكبر؛ كي يحافظ على وظيفته، فنشأ الضّغط في العمل، وأصبح العاملون لا يستمتعون بما يقومون به، بل يؤدّون الوظيفة في حالة خوفٍ مستمرٍّ على مستقبلهم، مقيّدين بالسّرعة التي كبّلتهم بها ظروف المعيشة والحياة. والمتأمّل في ذلك سيرى الأثر السّلبيّ الكبير للسّرعة في العمل؛ لأنّ الانهماك في العمل لساعاتٍ طويلةٍ أصبح يزيد من الكميّة، ليؤثّر بذلك على جودة العمل بحدّ ذاته؛ وبالتّالي يعمّ الأثر السّلبيّ على العاملين وأصحاب العمل على حدٍّ سواء.

الاسلوب الصحيح لتنشئه الاطفال

لعلّ أكثر من ذاق الأثر السّلبيّ للسّرعة هم الأطفال، فقد أصبحت فترة الطفولة قصيرةً وسريعةً جداً، وصار الأطفال يستخدمون التّكنولوجيا كغيرهم من الكبار، أي أنّهم لم يختبروا براءة حياة الطّفولة وصخبها ببساطتها كما سبق لنا أن عشناها؛ من لعبٍ ومرحٍ وتمتّعٍ بجماليّة الألعاب اليدويّة البسيطة، فباتت جداولهم مكتظّةً بالأعمال والأنشطة المدرسيّة السّريعة، التي تسعى إلى تطوير الطّفل في مجالاتٍ متعدّدةٍ في الوقت نفسه وبشكلٍ سريعٍ جدّاً؛ متناسيةً ما يتركه ذلك الضغط الممارس على الأطفال من آثار سلبية. وللأسف لم تأخذ الثّورة في النّظام التّعليميّ بالحسبان أثر السّرعة في التّعليم على الطّفل، إضافةً إلى ما يفعله الآباء الذين يسعون دائماً لاحتلال أبنائهم المقدّمة، فهم يقومون بإضافة العديد من المهام إلى جدول أبنائهم المكتظّ أصلاً؛ ليصبح الطّفل سريعاً بالفطرة، غير قادرٍ على الاستمتاع بتفاصيل طفولته، مقولباً برغبات الأهل والنظام التّعليمي.

اقتباس

كونك بطيئاً يعني أن تتحكّم في إيقاعات حياتك الخاصّة. أنت تقرّر مدى السّرعة التي يجب أن تسلكها في أيّ سياقٍ معيّن. إذا أردت اليوم أن أعمل بسرعة، سأعمل بسرعة، إذا أردت أن أكون بطيئاً في الغد، إذًا سأعمل ببطء. ما نحارب لأجله هو الحقّ في تحديد إيقاعنا الشّخصيّ" - كارل أونوريه

الخاتمه

إنّ الخطوة الأولى لحلّ مشكلة نمط الحياة السّريعة تكمن في تغيير نمط التّفكير السّائد، فالعقل البشريّ أشبه ما يكون بالنّحلة، ينتقل من فكرةٍ إلى أخرى؛ فكثرة العمل والمواعيد والالتزامات الأخرى تبقي عقلنا في حالة انشغالٍ وتعبٍ دائم. وهناك حاجةٌ ملحّةٌ في يومنا هذا للوقوف وقفةً تأمليةً مع النّفس، والتّدقيق في المعنى الحقيقيّ للبطء، وجوهره ومغزاه النّبيل، والتّأمّل في الهدف الرئيسيّ منه، وهو إعطاء كلّ أمرٍ حقّه من الوقت والعمل؛ لإنجاز كلّ مهمّةٍ على حدةٍ في حياتنا دون زيادةٍ أو نقصان.