التحرر من الكذب

"اليس ميلر"

نحن صنيعه التربيه التي تلقيناها.ما العمل اذا كانت التربيه حاطئه وانتجت انسان سئ؟هل يمكن تغير زالك

لـمـن يـنـصـح بـهـذا الـكـتـاب

للمهتمين بمجال التنميه البشريه

لمن يريد التخلص من اثار سلبيه جراء نشأته

لكل اب وام مهتمين بالصحه النفسيه لاطفالهم

لمن يسعي للبدء في رحله علاج نفسيه لذاته

مـحـتـوي الـمـلـخـص

الـمـقـدمـه

الأب والأمّ، ماذا يمثّلان لك؟ في الغالبِ شخصيّتك مزيجٌ قد تشكّل نتيجةً لسلوكهما اتّجاهك، فما أنت عليه اليوم هو ثمرة تربية عائلتك لك، وهذه هي الحقيقة الّتي على الجميع إدراكها ليعرفوا أصل مشاعرهم اتّجاه أنفسهم والآخرين من حولهم، ففي مرحلة الطّفولة نعلم يقينًا أنّ عالمنا الآمن يتمثّل بوالدينا، لكن في بعض الأحيان يجهل الأهل خطورة أفعالهم وآثارها السّلبيّة في نفسيّة أطفالهم والّتي تؤدّي بهم للاكتئاب، ذلك الاكتئاب الّذي يمكن له أن يصاحب المرء طوال حياته، والّذي يتطلّب ممّن يشعر به أن يخطو الخطوة الأولى نحو التّحرّر من هذا الضّرر النّفسيّ، وتلك الخطوة لا يمكن لها أن تتحقّق إلّا بتوقّف المرء عن الكذب على نفسه وإقناعها أنّ الأمور على ما يرام، كما يجب عدم إنكاره للإساءة الّتي تعرّض لها من قبل والديه في طفولته، عليه أن يدرك أنّ هذا ليس خطأه، إنّ أسرى الاكتئاب أشخاصٌ بيننا، وبعضهم من المشاهير أصحاب الحياة المثاليّة ظاهريًّا، فما الّذي أدّى بهم لتلك المأساة؟ وكيف يمكن لهم معالجة ما آلت إليه أحوالهم؟

صدمه الطفوله المبكره قد تكون نتائجها كارثيه في الكبر

لماذا قد يقوم شخصٌ بإنهاء حياته وهو في قمّة نجاحه وتألّقه؟! وكجوابٍ على هذا التّساؤل، هنالك أمثلةٌ لأشخاصٍ أقدموا على الانتحار دون مقدّماتٍ وبلا أسبابٍ واضحةٍ، لكن إن نظرنا إلى جميع هذه الضّحايا، سنجد العامل المشترك بينهم يكمن بفقدانهم لحبّ وعطف والديهم، وهو العنصر الرئيس في تكوين النّفسيّة الصّحيّة للطّفل، كما أنّ حرمانهم منه دون سببٍ مقنعٍ يؤدّي بالضّرورة لأن يعلقوا بوهم أنّهم غير جديرين بالحبّ، مما يجعلهم فيما بعد مرضى اكتئابٍ تكوّن في ماضيهم وتجسّد في حاضرهم، وذلك نتيجة إحساسهم بالذّنب وشعورهم بالإخفاق لعدم كسبهم لمحبة عائلتهم، فيتخذون من الاكتئاب مهربًا من مشاعرهم الحقيقيّة، لكنّهم لا يدركون أنّهم قد أصبحوا بذلك أسرى لمشاعرهم عاجزين عن التّعبير عنها، وحريصين على كتمها بداخلهم، فتتراكم مع الأيام وتصبح ثقلًا لا يتخلّصون منه إلّا بالتّخلي عن ذاتهم والانتحار في نهاية الأمر. ومن ضحايا قسوة الطّفولة، كاتبي المفضّل أنطون تشيكوف، حيث كان والده فظًّا شديد القسوة يضربه كلّ يومٍ تقريبًا؛ ممّا جعل من ذكريات طفولته ذكرياتٍ مثيرةً للخوف والغثيان بالنّسبة له، ومع ذلك، فقد كان دائمًا الطّفل والرّجل البارّ بوالده، لم يعارض أبدًا ما يسمّى بالوصيّة الرّابعة الّتي تنصّ على إكرام الأب والأمّ، لكنّ إنكاره لحقيقة مشاعره النّاجمة عن سوء معاملة والده له، أدّت به للموت في سنٍّ مبكّرةٍ نتيجة إصابته بمرض السلّ إلى جانب الاكتئاب، فكتمانه قد تطلّب منه تضحيةً لصحّته النّفسيّة الّتي أودت بصحته الجسديّة لاحقًا وقضت عليه في النّهاية. من ناحيةٍ أخرى، يمكن لنا أن نتصوّر حجم معاناة العديد من الأطفال ممّن فرض عليهم توقّعاتٌ لا بدّ لهم من تلبيتها إرضاءً للآخرين من حولهم لإثارة إعجابهم بعيدًا عن معاني المحبّة والعطف، ممّا أدّى بهم للانعزال والوحدة ظنًّا منهم أنّ لا أحد يمكن له أن يفهم ما يجول في خاطرهم، لكنّهم لم يدركوا أنّ الحلّ ببساطةٍ يكمن بفهمهم لأنفسهم أوّلًا وعدم إنكار ما يشعرون به من وحدةٍ؛ فالمغنيّة داليدا الّتي عاشت نجاحها أمام العالم وأخفت اكتئابها الحادّ، انتهى بها المطاف بالانتحار، فالاكتئاب مرضٌ صامتٌ نتيجة الذّكريات القاسية من الطّفولة الّتي يتخوّف المصاب من مشاركتها، فيعجز عن تخطيها، مثلما حدث مع مارلين مونرو الّتي عاشت وكأنّها يتيمةً في ملجأٍ للأيتام على الرّغم من عيش والدتها، حيث كانت تتعرّض باستمرارٍ لانتهاك جسدها؛ ممّا جعلها تلجأ للمخدّرات عبثًا ومن ثمّ للانتحار، وعن نجمة السّينما جين سيبرغ الّتي رغم كلّ نجاحاتها كانت تتطلّع فقط لاعتراف والدها بنجاحاتها، ولكنّ موقفه الرّافض لها جعلها تدمن الخمر والسّجائر، لينتهي بها الأمر إلى الانتحار، فجميعهم عاشوا الحياة السّعيدة ظاهريًّا، ولكنّهم كانوا يعانون بصمتٍ من طفولةٍ مدمّرةٍ، ولكن هناك من ظهرت تشوهاته النّفسيّة بسبب طفولته للعالم كلّه، هل خطر ببالك من قد تكون تلك الشّخصيّة؟ وما الأسباب الّتي أدّت بها لذلك؟

اثار التربيه السلبيه في الطفوله تدمر جميع من حولها

عالمٌ مضّطربٌ وصمتٌ لا تبرير له عن السّبب الدّفين وراء الشّر في نفوس الأفراد في العالم، حيث لم يستطع الكثيرون الوصول للجواب الحقيقيّ لهذا السّؤال، على مرّ الأزمان، تمّ افتراض العديد من النّظريّات لتبرير نزعة الشّر في نفوس البشر، فكان الاعتقاد السّائد قديمًا أنّ الأطفال الحقيقيين يتمّ استبدالهم بأطفال الشّيطان، ومع تطوّر العلم ظهرت النّظريّة الجينيّة الّتي تدعم فكرة الشّر الفطريّ، وتؤكّد على أنّ بعض الجينات هي السّبب وراء ارتكاب أعمالٍ شريرةٍ دون أيّ افتراضٍ لوجود علاقةٍ للطّفولة المسيئة والذّكريات المكبوتة بذلك. لكنّ الجواب الحقيقيّ يكمن وراء ما يصنع في بيوتٍ يساء لأطفالها بالتّعنيف الجسديّ والنّفسيّ، ليصبحوا بذلك وعاءً مملوءًا بذكريات الظّلم، مكوّنًا فراغًا داخليًّا قد أفقدهم القدرة على إدراك المشاعر الإنسانيّة السّليمة، يوجّهون مشاعر الغضب باتّجاهٍ خاطئٍ نحو من حولهم، فبدلًا من كره التّصرّفات المسيئة الّتي تعرّضوا لها من والديهم، فهم يترجمون كراهيّتهم المكبوتة بأعمال العنف والإرهاب؛ مثلما حدث مع هتلر الصّغير الّذي لم يحظ بأبسط حقوقه كطفلٍ، بالعيش تحت سقفٍ يملؤه الحبّ، بل تعرّض للإذلال والظّلم والقمع المستمرّ، والضّرب من والده ممّا أدّى إلى جنونه الإرهابيّ اتّجاه العالم أجمع، وكرهه لليهود بشكلٍ عامٍّ؛ نظرًا لأنّ والده يهوديّ الأصل، وكثيرون مثل هتلر يمتلئ عقلهم اللّاواعي بذكريات الظّلم غير المبرّر الّذي يتجسّد بأفعالهم؛ مثل الجيوش الأمريكيّة الّتي اجتاحت العراق، وظهرت وحشيّتها على المساجين الضّعفاء إلى العالم كلّه، ولم يقتصر الأمر على الجيوش والحروب، بل يمكن أن يكون في بيتٍ صغيرٍ، مثلما حدث مع الطّفلة جيسيكا في مدينة هامبورج الألمانيّة، والّتي ماتت بسبب تجويع والديها لها؛ لما تعرّضوا له بدورهم من اضطهادٍ عائليٍّ، ممّا جعل من طفلتهم الصّغيرة ضحيّةً لاضطراباتهم النّفسيّة. لذا نجد أنّ سلوكيّات الفرد ما هي إلّا انعكاسٌ لذكرياته بالأصل، فإمّا أن تكون سببًا في سعادته، أو موجّهًا لتعاسته نحو ذاته وللآخرين من حوله، لهذا عليه أن يعي بأنّ شعور الكراهية بالحقيقة مجرّد تعبيرٍ عن عدم تقبّل أمرٍ أو شخصٍ ما، وبالتّالي يعدّ رفض مثل هذا الشّعور وإنكاره سلوكًا غير صحيٍّ سيلاحق أثره السّلبيّ الفرد مدى حياته؛ لذلك ينبغي إعطاء الفرد نفسه الحقّ لمحاربة ما يجعله غاضبًا ومواجهة مشاعر الكراهية في نفسه، بدلًا من اللّجوء لما يسمّى بـ"البتر الذّاتيّ" أو التّظاهر بامتلاك المناعة ضدّ هذه المشاعر؛ ليكون قادرًا على حلّ ما يعاني منه نفسيًّا، فإدراك المرء لجهل والديه في تصرّفاتهم، سيمنحه تحرّرًا من كراهيّته لهم وللحياة شيئًا فشيئًا مع مرور الوقت، ولكنّ ذلك يعدّ بنصف الحلّ، فما هو العلاج المكمّل للتّخلّص من الآثار المدمّرة لمرحلة الطّفولة القاسية؟

علاج الاثار النفسيه الناتجه عن صدمه الطفوله المبكره

يحتاج الوصول إلى مرحلة الوعي باللّاوعي إلى رحلةٍ باتّجاه الماضي، تحديدًا لمرحلة الطّفولة، والاستماع جيّدًا لأحاديث النّفس الدّاخليّة. على من يخوض رحلة العلاج أن يعرف يقينًا أنّ ما تعرّض له في طفولته من أذًى نفسيٍّ وجسديٍّ هو خطأ والديه؛ فهي ليست معاملةً طبيعيّةً يتعرّض لها جميع الأطفال في عمره، بل هو حتمًا تصرّفٌ خاطئٌ، ويحتاج من يحاول التّعافي من آثاره لفهم مشاعره الدّاخليّة، بدلًا من مقاومتها، ولمساعدته لفهمها، يمكن أن يستعين بشاهدٍ مستنيرٍ محايدٍ لتقصير مدّة العلاج، وهو ليس بالضّرورة أخصائيٌّ بالعلاج النّفسي، بل الأهمّ أن يكون شخصًا قام بالتّصالح مع ماضيه، وواجه مخاوفه بدوره، ويستطيع بتعاطفه وعلمه إخراج مشاعر السّخط من داخل المتعالج وإيصاله إلى وجهته في الحياة. يساعد العلاج على الثّقة في المشاعر، عوضًا عن محاولة نسيانها أو جعلها بئرًا مظلمًا مليئًا بذكرياتٍ محمّلةٍ بكلّ مشاعر الخوف والوحدة، فيمهّد العلاج الطّريق للتّخلّص من نقاط الضّعف في الهويّة نتيجة عدم معرفة طبيعة الشّعور وحقيقة الاحتياجات، جرّاء تضرّر خبرات الطّفولة وعدم وضوحها أو فهمها، لذا إنّ معرفة المرء لتاريخ طفولته يعدٌّ شرطًا أساسيًا لبناء خبراتٍ ومواقف جديدةٍ سليمةٍ وواضحةٍ عاطفيًّا؛ لجعلها الأساس الآمن لمتابعة الحياة، وبالتّأكيد لا أقصد بالعلاج انتهاء المخاوف في حياةٍ مليئةٍ بها، بل معرفة كيفيّة مواجهتها والتّعامل بعقلانيّةٍ معها، وأن نصبح أقوى بفهمها وتحويلها من وحشٍ نخشى مواجهته إلى صديقٍ لطيفٍ يساعد في التّعامل مع المشكلات وليس ضحايا لها.

اثار تربيتي الابنتي التي عانت كثيرا بسببي

يمكن تلخيص جميع ما أعنيه من خلال كلمات أمٍّ، فاليوم ألجأ للورقة والقلم للتّعبير عن خطأٍ ارتكبته في حقّ ابنتي البكر، ولا أبرّر لنفسي ولكنّني عوّضت النّقص الّذي عانيت منه في طفولتي وعدم اهتمام والديّ في مشاعري واحتياجاتي وجعلتها أمًّا لي بدل الّتي كنت أفتقدها، ولم أبذل أيّ جهدٍ لأكون ضمن توقّعاتها مثلما كنت أفعل مع والدايّ، بل هي الوحيدة الّتي كنت أتناسى توقّعاتها. هذا ما جعلها تعيش أمومةً مبكّرةً وهي في مرحلة الطّفولة، ممّا فرض عليها الحاجة للتّوجّه إلى العلاج النّفسيّ من آثار تربيتي الخاطئة وسلوكي اتّجاهها، والّذي أدّى إلى عدم رغبتها في رؤيتي وحاجتها للابتعاد، بسبب استرجاعها لما عايشته بسببي في طفولتها، ومع ذلك فقد كانت تتواصل معي لفتراتٍ متقطّعةٍ عبر الهاتف، ربّما لتتأكّد من صدق مشاعرها اتّجاهي، وقدرتها على التّعاطف معي، ولتشعر وكأنّها طفلةٌ صغيرةٌ تقوم أمّها بدورها كشخصٍ مسؤولٍ اتّجاهها كما كانت تستحق أن تعيش. لقد أدركت أنّني لم أواجه طفولتي، بل كتمتها وكانت ابنتي ضحية ذلك...

فقره بارزه

نحن لا نأتي إلى هذا العالم وقد تشكّل عقلنا بالكامل، ذلك أنّه لا يكتمل تمامًا إلا في السنوات القليلة الأولى من الحياة، والأشياء التي يتشبع بها الطفل - خيرًا كانت أم شرًا في تلك الفترة تترك آثاراً تظلّ طيلة العمر."

اقتباسات

على الرّغم من فظاعة الجرائم التي يرتكبها البالغون، فإنّها لا تفوق في فظاعتها العذابات التي تعرض إليها هؤلاء المجرمون في طفولتهم."



. إنّ القسوة التي يتّسم بها الأفراد ليست شيئًا فرضته عليهم قوةٌ غامضةٌ خفيةٌ، بل فرضها عليهم آباؤهم والأشخاص الآخرون الذين اشتركوا في تربيتهم."





الخاتمه

من أبسط حقوق الطّفل على والديه توفير بيتٍ دافئٍ مليءٍ بالحبّ والتّقدير، وألّا يكونوا سببًا في أن يكبر مكوّنًا ذكرياتٍ سلبيّةٍ يمضي عمره وهو سجينٌ بها يعبّر عنها بصمتٍ واكتئابٍ، أو بدوي انفجاراتٍ نفسيّةٍ يسمع صداها العالم أجمع، هناك بعض النّاجين من أضرار الطّفولة الّذين يلجؤون للعلاج لمحاربة الماضي المؤلم الّذي تعرّضوا له، وآخرون من يموتون ببطءٍ لاجئين للمخدّرات والمهدّئات ثمّ لإنهاء حياتهم بالانتحار، وغيرهم ممّن تمنّى العالم موتهم بسبب الفظائع الّتي ارتكبوها، لكن، في جميع الأحوال ما ينبغي إدراكه هو أنّ الحلّ يبدأ دومًا باعترافنا لأنفسنا بحقيقة ما نشعر به، لكي لا يصل الأمر بنا إلى طريقٍ مسدودٍ نخسر به حبّنا لذاتنا ولمن حولنا، إذ إنّ مواجهة ما نشعر به فعلًا وعدم إنكاره يضمن لنا حياةً صحيّةً سليمةً.