مع الشقيري,رحله الاربعون يوما لاكتشاف الذات علي وشك البدء , فهل تستحق التجربه
هل ذهبتَ يومًا في رحلةٍ إلى أعماقِ الذات بعيدًا عن جميعِ مُلهيّاتِ الحياةِ وأشخاصها؟ تلكَ الرحلةُ التي تُعدُّ كفيلةً بِتنقيةِ الأفكار والحياة اليومية من المتاعب والتوتر والقلق؟ الرحلةُ التي بَعْدَها، سيكونُ العقلُ، والقلبُ قادرينِ على الاستمرارِ بالحياةِ بِنفسيةٍ مُنتعشةٍ وعطاءٍ أكبر، أن تعرفَ نقاطَ القّوةِ والضّعفِ لديك، إنْ كانَ هذا مُشجعًا، ليسَ كلّ شيء، فالعديدُ من التّغييراتِ ستنعكسُ على جوهركَ بعد معرفتكَ لِجوانبِ الحياةِ التي سلَّطَ أحمد الشقيريّ الضوءَ عليها، ابتداءً مِن التّفكيرِ بالحياةِ، والنَّفسِ، والذِّكرياتِ، والآخرينَ مِمَّنْ يُحيطونَ بها، وانتهاءً بالدِّينِ، والقرآنِ، والحِكمةِ النَّابعةِ مِن تجاربِ الحياةِ، فما هِيَ تفاصيلُ رحلة الذَّاتِ لأحمد الشّقيري، وكيفَ اسْتَغَلَّها بأفضلِ طريقةٍ، وهل حقًّا سَنَتَخلَّى عن العائلةِ لِنُحقّقَ الاستفادة؟ ماذا سَنَتعلمُ مِنْ هذا الكِتابِ؟ سنتعلمُ كيّفيةَ التعاملِ مع الإساءة. لا أحقيّةَ لأيِّ إنسانٍ بإطلاقِ الأحكامِ على النّاسِ، حتّى لو كانَ عالمًا. كيفَ يُمكِنُ لِلطُّفولةِ أنْ تكونَ مَسؤولةً عمَّا أنتَ عليهِ الآن مِنْ عاداتٍ، ومبادئ، وشخصية؟ ما هو الأثرُ المُتَتَابعُ؟ وهل يُمكنُ للأحداثِ حولنا أنْ يكونَ لها دورٌ في التَّأثيرِ عليه؟ أهميّةَ الإيمانُ باللهِ وحِكْمَتِهِ.
تُعدُّ مقولةُ (السُّكوتُ مِنْ ذَهَبٍ) مقولةً مُعبّرةً، وخصوصًا عندما تُقابلُ هجومًا كلاميًّا مِن أحدِ الأشخاصِ ممن هم حولَك بالسكوتِ والاكتفاءِ بالإصغاءِ إلى حينِ انتهائهِ من الكلامِ، فأنت بِردَّةِ الفعلِ الصامتةِ هذه ستتيحُ لهُ المجالَ للكلام عن كلِّ ما يُريده، وفرصةَ التّراجعِ شيئًا فشيئًا عن هجومهِ اللّامبرر؛ لِتجدَهُ فيما بعد شخصًا يُحسِن الإصغاءَ لما ستقولُه، فلا فائدةً تُرجى من مقابلةِ الإساءةِ بِالإساءة، وكلُّ ما علينا فعلهُ هو التّروي وعدمُ الاندفاع، فلعلَّ الأمورُ ستَصلُحُ من تلقاءِ ذاتِها، كما يجب ألّا نتعالى أو نختالَ بأنفسنا على مَنْ حولنا مهما بلَغنا من مراتبَ عِلميّةٍ وعَمَليّة، فعل الرغم من كلِّ ما نعرفهُ إلّا أنّ هنالك دائمًا المزيدَ والمزيدَ مِمّا نجهلُهُ، وبالتالي لسنا نَحنُ مَنْ نُقرِّرُ استحقاقنا لِمكانةٍ ما بين النّاسِ مِنْ عَدَمِهِ، وطريقةُ ما نقومُ بهِ وقيمتهُ كفيلتان بإيصالِنا لِمَا نُريده؛ هذا ما أوجبَ علينا أنّ ندعَ جميعَ أعمالَنا خالصةً لِوجهِ الله تعالى دونَ رياءٍ. بِطبيعةِ الحالِ إنَّ ما يُميّزُ الأشخاصَ عن بعضهمِ بعضاً في نظرِ المُجتمع مِن حولِنا هو المُستوى الماديّ أو الاجتماعيّ؛ مِمّا قد يدفعُ بعضَ الأفراد إلى القيامِ بِعاداتٍ لا يقتنعونَ بها فقط لِمجردِ إرضاءِ مَن حولَهم والانخراطِ معهم في العادات كعادةِ التدخين مثلًا، لكنْ مَا علينا فهمُهُ هو أنّنا نحنُ مَن نُقررُ قيمةَ ومستوى ذاتنا بِثقافتنا ومبادئنا، وليس بما يراهُ النّاسُ فينا من توافقٍ معهم -سواءٌ أكان توافقًا بالمستوى المادي أم الاجتماعيّ-، فلا ضررَ مِنْ تصالحٍ ذاتيّ يُمكِّنُنَا مِن عَيْشِ حياةٍ هانِئَةٍ بعيدةٍ عن الضغوطاتِ التي تتسبَّبُ بها أحكامُ وتوقعات المحيطينَ، أو أحكامُنا نحنُ على غيرنا مِنَ الأشخاصِ دونِ مَعرفةٍ، إذ ليسَ فينا مَن هو معصومٌ عن الخَطَأِ، وباعتبارِ أنَّنا لا نستطيعُ الوصولَ لما يُسمى بِالكمالِ والمثاليّة؛ فالكمالُ لله وحده، وهذا أمرٌ واقعيٌّ علينا تقبُّلُه. إنّ الحُكمَ على ظاهرِ الأُمورِ قد يُبعِد الأشخاصَ عَنْ ما تَدعو إليهِ مهما كان، حتى وإنْ كانَ ذلكَ الحُكمُ مِن بابِ النّصحِ والإرشاد، فلا تجبُ المُغالاةُ بآرائِنا، ومبادئِنا، وعقيدتِنا، وإنما علينا الموازنةُ بين الدِّينِ والحياةِ دونَ الفصلِ بينهما؛ فالدينُ أسلوبُ حياةٍ.
إنَّ سِمَاتِنَا وصِفاتِنا الشخصيّةَ تُشكِّلُها طفولتنا وما نَتَذكرهُ منها، فهي منبعٌ لِعاداتنا المُكْتَسَبةِ حتّى هذه اللحظة، وهي التي جاءتْ كردةِ فعلٍ على ما واجهناهُ في يومٍ من الأيام، غير أنَّ بأيدينا القُدرةَ على تغييرِ ما هو سلبيٌ مِنْ هذهِ العاداتِ، ولِلوالدينِ الحصّةُ الأكبرُ من مرحلةِ طفولتِنا ونشأتِنا وما نحنُ عليهِ مِنْ أشخاصٍ في الوقتِ الحالي، فأغلبُ السِّماتِ كالصدقِ والطِّيبةِ تنمو في ذواتِنا بعدَ مُلاحظةِ طِيبةِ الأبِ والأم وصدقِهما، بالإضافةِ إلى طريقةِ تعاملِهم مَعَ الآخرين في مُحيطِنا مُنذُ الصِّغر، فيُمثّلُ الأب والأمُّ مَصدرَ الأمانِ والثِّقةِ لأبنائِهم؛ هذا ما أوجبَ على الأبناء احترامَهما وإعطاءَهما تلكَ القيمةَ الفريدةَ التي لا مَثيلَ لها، مَعَ الحرصِ على عدمِ استخدامِ مَظاهرِ العُنفِ والغَضَبِ مَعَهما. مِنْ ناحيةٍ أُخرى، مِنَ المُهمّ أن يُرشدَ الوالدان أبناءَهم وأن يُحسنوا تربيتَهم؛ الأمرُ الذي أوجبَ عليهم التعاملَ معهم بلطفٍ ولِيْنِ مع إظهارِ بعضَ الحزمِ عندَ الضرورةِ فقط، مع الابتعادِ عن مظاهرِ الغضبِ التي تقودُهم إليها ضغوطاتهم النفسيّة؛ فأيَّ تَصَرُّفٍ مَهْمَا كانَ صغيرًا سَيتركُ أثرًا في نفوسِ أَبنائهم في المُستقبلِ، وبالتّالي يُمكن القولُ إنّ كل ما تحتاج إليه التربيةُ هو الأسلوبُ المَرِنُ الذكيّ الذي يعتمدُ على المرحلةِ العُمريّةِ لِهؤلاءِ الأبناءِ؛ فيبدأ الأسلوبُ بالترغيبِ واللعبِ لِيتبعُهُ حزمٌ وأمرٌ وتوضيحُ الحقيقة الموجودةِ في كل ما حولَهم؛ لِلتفريقِ بينِ ما هو صحيحٌ وما هو خطأ، وبالتّالي إتاحةُ المجالِ لِلمشاورةِ والنِّقاشِ، حتى الوصولَ إلى مرحلةٍ عُمريةٍ يكونُ فيها الفردُ قادرًا على إدراةِ شؤونِ حياتهِ بِاستقلالٍ وحُرِّية. علينا الالتزامُ بِكلامِنا ووعودِنا تجاهَ الآخرين؛ فكلمتُنا هي ما تُمثّلنا، ونقضُها يُعَدُّ نقضًا لشخصِنا، في حين أنّ الالتزامَ بها هو إحسانٌ لنا ولِمَن حولنا، فضلًا عن ضرورةِ التَّرفُعِ عن الاهتمامِ بالمظاهر، والحرص على اتّخاذ قراراتٍ حكيمةٍ، مع ضرورةِ الاستغناءِ عن كلِّ ما هو غيرُ ضروريٍّ لِلحصولِ على ما هُوَ أساسيّ في المستقبلِ، فلا ضررَ من اختيارِ مَا يقضيْ الحاجةَ دونَ الاضطرارِ إلى الإسرافِ بِشكلٍ مُبالغٍ به، بِهدفِ ضمانِ عيشِ مُستقبلٍ آمنٍ مُستقرٍ لكَ ولعائلتك، فكل قرارٍ مهما كان صغيرًا وتافهًا أو كبيرًا ومصيريًا حتمًا له تأثيرُه بكل جانبٍ من جوانب حياتك وحياة من حولك بطريقةٍ ما بفعلِ مَا يُسمى بالأثر المُتَتَابع.
غالبًا ما يكونُ الشُّكرُ أمرًا مُوجِبًا لِحدوثِ خيرٍ أكبرَ في كُلِّ مَرّة، فالشُّكرُ على النِّعمِ باتِّباعِ عادةِ التّصدُّقِ والإحسانِ يُعدُّ وسيلةً لتحقيقِ ما نَطمحُ إليهِ في حياتِنا وطريقا ندعُو إلى اللهَ به، فالدُّعاءَ وإنْ لم يُستجب ربما يكون سبباً لأن يبعثَ اللهُ لك خيراً مما طلبت، فقط عليكَ بِتَأمُّلِ تفاصيلِ حياتك؛ لِتُدرِكَ تلكَ القيمة، فعندَ إدراكِك لها ستتمكَّنُ مِنْ الشعورِ بذلكَ الإيمانِ الذي يمنحُكَ شعورَ السعادةِ وتقبّلَ حياتك. علينا محاولةُ تغييرِ العاداتِ السَّلبيةِ مِنْ حولِنا، والوقوفُ بِوَجْهِ جميعَ من يعترضُ ذلكَ مِنْ خلالِ مُواجهَتِهم بِالمنطقِ، والعقلِ، والحكمةِ، صحيحٌ أنَّ الأمرَ ليسَ بتلكَ السُّهولةِ، لكنْ لا ضررَ من المحاولةِ والصبر؛ ويجبُ علينا السّعيُ للتّخلصِ من تلكَ العاداتِ التي هي أشبهُ ما تكونُ بأمرٍ متوارثٍ اعتاد الجميعُ القيامَ به، فقد تلعبُ آراءُ النّاسِ المُحبطةِ دوراً ضدّ كلِّ ما نسعى للقيام به من تغييرٍ أو إنجازٍ؛ وهذا ما يدعو إلى عدمِ الاستماعِ إليهم، لأنَّ آراءَهم مجردُ أحكامٍ واهنةٍ لا أساسَ لها.
تُعدُّ الوسطيّةُ والاعتدالُ النهجَ السليمَ لأيِ شيءٍ في الحياةِ، وبالتّالي فإنّ هذه القاعدةَ تنطبقُ على الدِّينِ الذي يُوْجِبُ عدمَ المغالاةِ والتّطرفِ اللذين سيؤديان إلى ابتعادِ الآخرينَ عنك، فتطبيقُ الدِّينِ وتعاليمِهِ يجبُ أنْ يكونَ على نحوٍ يدّلُّ على التّسامُحِ واليُسرِ، مع ضرورةِ تَذَكُّرِ الاعتدالِ والمُوازنة بينَ العقلِ -وما يُمثّله من منطقٍ صحيحٍ علينا اتّباعَه- وبين النَّفس -التي تُملي علينا رغباتِنا- والتي غالبًا ما نكتسبُ بسببها ذنوبًا نحن بِغْنَىً عنها؛ فبالإرادةِ والعزيمة، والمحاولةِ اليومية بلا كللٍ أو مللٍ سَنَتَمَكَّنُ مِنَ التّغلب على النَّفسِ وتحكيمِ العقل؛ لِخلقِ ذلكَ التوازنِ المَرْجوِّ بينهما، ولِتحقيقِ الرَّاحةِ النّفسيَّةِ المطلوبة. "إنّما الأعمال بالنيّات، وإنما لكلِّ امرئٍ ما نوى"؛ فحُسنُ نيّةِ الفردِ سَتُملي عليهِ حتما ما ينتظرهُ من رزقٍ وبركة؛ لأنّ أفعالَك تجاهَ الآخرين ستكون مُشابهةً بشكلٍ أو بآخر لِأفعالِ غيرِكَ تجاهكَ، كما أنّكَ عندما تُحسِنُ الظّنَ بالآخرينَ ستأمَنُ شرّهم، فتزولَ عنكَ جميعِ مخاوفِكَ، فما بالك بنتيجةِ إحسانكَ الظّن بالله؟!، وهُوَ مَنْ يفتحُ لكَ أبوابَ النَّجاحِ على مِصْرَاعَيْهَا ومِنْ حيثُ لا تحتسبُ مِنْ خِلالِ المُواظَبَةِ على العبادةِ، والالتزامِ بِالنيّةِ الحَسَنةِ الصّافيةِ. فلتنتهج مَبدأ الاعتمادِ على الذَّاتِ في أيِّ مشروعٍ تُريدُ القيامَ به؛ إمّا أن تُشرِفَ عليهِ بِذاتِكَ، أو أنْ تَضَعَ مَنْ هُوَ أمينٌ مُتَمَكِّنٌ للإشرافِ عليه، كما يجب عليكَ أنّ لا تقومَ باختيارِ أصدقائِكَ بِشكلٍ عشوائي؛ وإنما يجب أن يكون الاختيارُ وفقاً للتجاربِ التي تُعرِّفُكَ على صفاتِهم.
إنّ الصّبَر وتقبُّلَ الأمورِ مهما كانتْ نتائجُها من أهمِ ما يجعلُ الإنسانَ يعيشُ في راحةٍ نفسيّةٍ، راحةٍ مصدرُها الأساسُ الإيمانُ الخالصُ بأنَّ جميعَ ما حولنا مرتبطٌ بإرادةِ الله تعالى وحكمتِه، فإرادةُ الله تعالى كفيلةٌ بِتحقيقِ كلِّ الخيرِ للإنسانِ للبُعْدِ عن أسوأ الاحتمالاتِ التي قد تقعُ حينها، فالأحداثُ تسيرُ على نحوٍ متسلسلٍ، وتَذْهَلُ لها العُقولُ عند التّفكر بها وبتفاصيلِها فيما بعد، إنَّ قلبَ الإنسانِ يَظْهَرُ على حقيقتهِ في الشّدائدِ والمصائبِ التي تُمثِّل امتحاناً لِشخصيّاتِ مَنْ حولنا، كَمَا ينبغيْ علينا توسيعُ آفاقِنا والتّفكرُ بالأُمورِ مِنْ حولِنا على نطاقٍ أكبرَ وأعمّ؛ فالكونُ لا يَدُورُ حولَ أيٍّ منّا وحدَه؛ وإنما هو كونٌ واسِعٌ يشملُ الجميعَ بِظروفه، فما لا يُناسِبُكَ قد يُنَاسِبُ غيركَ؛ لهذا لا تدعْ مصلحتَكَ تطغى على مصلحةِ الآخرين، ولا تُصْدِرْ الأحكامَ بشكلٍ مُطْلَقٍ على علاقاتِكَ معهم، فَمَنْ كانَ عدوَّكَ اليوم قدْ يُصبِحُ صديقَكَ غدًا. اسعَ دائمًا لإيجادِ منفذٍ يُمْكِنُكَ الاعتمادُ عليهِ لإفراغِ طاقاتكَ السَّلبيةِ، وقد يكونُ ذلكَ المَنفذُ عادةً أو طقسًا مُعينًا تُمارسه في حياتكَ حينَ تَتَّخِذُ قرارًا من شأنهِ أن يُؤَثِّرَ على نفسيتكَ سلبًا، لتكون ممارستك له بِمنزلةِ علاجٍ نفسيٍّ مِنْ هذهِ السَّلبية، كأن تمارسَ عبادةً، أو هوايةً مفيدةً كالقراءةِ مثلًا، ودعكَ من جميعِ عُقَدِكَ النَّفسيةِ التي قد تَمَلَّكَتْكَ مُنْذُ الصِّغرِ نتيجةً لكلامٍ سَمِعْتَهُ من الأشخاصِ المُحيطين بك، فالمهمُ هو ما أنتَ عليهِ اليومَ وما تمتلكهُ مِن قناعاتٍ، مع حرصك على أنْ لا تجعلَ مِنْ تلكَ القناعاتِ أمرًا مفروضًا على مَنْ حولكَ، وأنْ لا تشعرَ بالإحباطِ بسببِ إحساسِكَ بِالفارقِ بينَ واقعكَ الفعليّ وما تريدُ أن يكونَ عليه؛ فكلُّ ما يجبُ عليكَ فعلهِ هو الوصولُ إلى مرحلةٍ من التَّصالحِ مع النّفسِ والسّلام الداخليّ دونَ تعلّقٍ بما هو آتٍ. جميعنا مُسَيّرٌ وسطَ هذهِ الأحداث التي تواجهنا في حياتِنا اليوميّة، لكنّنا مُخيّرونَ في انتقاءِ كيفيّةِ مواجهةِ تلكَ الأحداثِ واتخاذِ القراراتِ تجاهها بحكمةٍ بعيدًا عن اندفاعِ العواطفِ والرَّغباتِ، من هنا يجبُ علينا أنْ نُحْسِنَ الاختيار وأنْ نَتَجَنَّبَ آفةَ الكذب؛ سواءٌ أكانَ الكذبُ أمامَ الآخرين أو أمامَ ذاتِنا، فهي مشكلةٌ حلّها الاعتراف وقول الحقيقةِ بِكلِّ بساطة؛ لِنَأمَنَ شَرّها السّابِقَ واللاحِق.
دائمًا ما تدعو جميع الأديانِ إلى النّهي عن الكِبَرِ والعِنَادِ لِمَا لهُمَا مِنْ آثارٍ سلبيّةٍ على النَّفسِ والآخرين على حدٍّ سواء؛ فهما يُعْمِيَانِ بصيرةَ الإنسانِ عن رؤيةِ ما هو صحيحٌ والابتعادِ عمّا هو خطأ مهما تَوفَّرَت لديهِ الفُرَص لِذلك؛ لذلك علينا الاتِّصافُ باللّينِ والتّواضع، وعدمُ تعليقِ القلبِ بأحكامِ النَّاسِ وتَسييرِ أفعالِنا بهدفِ إرضائِهم؛ فإرضاءُ النّاسِ غايةٌ لا تُدرك. إنَّ كلُّ ما يَحْدُثُ حولنا حاصلٌ لحكمةٍ وسببٍ ما، فيجلبُ خيرًا لاحقًا يُبْعَدُ بِهِ سوءٌ أكبرُ محتملُ الحدوث، فلا تعجلْ بِالحُكْمِ على الأحداثِ مهما بلغتْ مِنْ سوء، عليك أن تأخُذَ بالأسبابِ وتتوكَّل، فلا شيءَ يحدثُ تحتَ ما يُسمى بنظريّةِ الصدفةِ، إذ أنّ جميعَ الأُمورِ تدعو العقل للتّفكرِ؛ باعتبارهِ الطريقَ الوحيدَ إلى إدراكِ عظمةِ الله -سبحانه وتعالى-، والإيمانِ به وبِحَتْمِيَّةِ اليومِ الآخرِ والحساب؛ الأمر الذي سيدفعنا للقيامِ بالأعمالِ الصَّالحةِ ابتغاءً لِمرضاةِ الخالق، ولنيلِ الجزاءِ الأحسنِ، ودفعِ الهمِ والغم، فجميعُ الرُّسُلِ بُعثوا رحمةً لنا، وهذه الرّحمةُ التي تشملُ راحةَ القلبَ والاحتواءَ في تعاملاتِنا مع الآخرينَ في الحياة. "العقل مَلِكٌ، والشهوةُ والغضبُ وزيرانِ في مملكة الإنسان، فلا تجعلْ الملكَ ألعوبةً في يد الوزيرين"
الآن، أصبحَ أمرًا ضروريًا أنْ تقومَ برحلةِ الاختلاءِ مع الذَّاتِ؛ لِتكتشفَ جميعَ ما تحتويهِ نفسكَ من قناعاتٍ تخصُّ وعيَكَ في التعاملِ مع الآخرين مِنْ حولكَ والاستفادةِ مِنْ تجاربِهم؛ حتّى تتغيّر طريقةَ حُكمكَ على الأمورِ، ومنظوركَ الشّخصيّ حولَ ما يَجريْ مِن حَولِكْ، فبهذه الرحلة الذاتية ستكتشفُ تفاصيل عِدَّة تُبهِرُكَ لدقة امتزاجها مع بعضها بعضاً لتُصبحَ ما أنت عليه اليوم، وستُدركُ أنّ لكلِّ تفصيلٍ منها حكمةٌ لا يعلمُها إلّا الخالقُ وحدَه؛ ليعطيكَ خيرَ ما تتمناه؛ لذا يتوجب علينا الرضا بقسمتنا وتقبّل حالنا وما نحن عليه؛ لنحظى بسلامٍ داخليٍّ وتصالحٍ مع الذات يفوقُ كلَّ التّوقعاتِ بغضِ النّظرِ عن أحكامِ الناس الواهنة من حولنا، فأنت وحدكَ من يُقررُ سعادتك في الدُّنيا والآخرة، أحسنْ اختيارَ ما تقوم به من أفعالٍ وما تتلفظّه من أقوال.